لقد ظل تنوع الأشكال والأساليب الذي يعرفه الفن الإفريقي طوال قرون ، رهين نظرة غربية ضيقة ، تعتبر بأن أشكال الفن التي تخضع لأطرهم الجمالية لا يمكن أن تصنف إلا ضمن إطار "فضول غريب" . لقد درج الغرب على إطلاق أسماء متعددة على الفن الإفريقي، مثل الفن الزنجي ، البدائي ، القديم ، وهي تسميات زيادة ،على أنها لا تحيط به بطريقة دقيقة ، فإنها تحمل بالتأكيد مضامين تحقيرية .
إن التراث الثقافي في إفريقيا ، الذي أبهر العديد من الفنانين عبر العالم ، لا يمكن أن تعطى له قيمته الحقيقية بدون عرضه وشرحه في سياقه التاريخي ، الاجتماعي والفني الخاص به ، وهي المقاربة الوحيدة التي تسمح بالكشف عن الأسرار التي تختفي وراء كل مادة واكتشاف تاريخ شعوب إفريقيا .
إن إبداعات الفنانين ، في أغلبهم رجال ، لم تكن عملا بسيطا في الأسلوب لكن تستجيب إلى ضرورة وجودية تجمع عالمين اثنين أو قوتين ضروريتين في توازن وانسجام المجتمع الإفريقي: الطبيعة المتميزة بالاضطراب ، والتي نهايتها الموت ، والنظام الاجتماعي المهيكل ، الذي وضعه القدماء ، الذي ينظم الحياة اليومية لكل قبيلة ، لكل عشيرة بدون أي غموض .إن كل بعد ديني ، ثقافي واعتيادي يكتسيه أي عمل هو معطى أساسي يحمله فوق كل القيم الجمالية خاصة منها . فبعيدا عن الجمال الصريح ، والفحوى الديني الذي يطلقه ، فإن التجربة الإفريقية ونمط معايشة الكون تقول بأن كل عمل يملك روحا . هذه المقاربة تسمح للأفارقة من رؤية ما لم يره الآخرون أو غير قادرين على ذلك .
على العكس من الفن الغربي ، أين يدخل الفنانون في مواجهة لتثمين أفكارهم الفنية ،فإن الفنانين الأفارقة أكثر انشغالا بفكرة نقل الجانب الروحي ، والديني ، والقدرة السحرية للقوى الخفية . و في خدمة فكرة ، أو مثل ، بقي هؤلاء الفنانون مغمورين بحيث لم يفتكوا جوائز ما يجعلهم خالدين ، ومع ذلك تطور فنهم دون تدخل خارجي على خلاف الفنون الغربية .فهو لم يكن يهدف إلى حمل إيديولوجية معينة ، لكن يحملنا على إدراك الكون بطريقة أخرى ، و قدم أي عمل لم يكن رهين نوعيته أو قيمته بل أن قيمته الرمزية أكثر قوة من كل تقدير .
إن معرض "الفنون القديمة " سيسمح بالكشف عن كل جوانب الفن الإفريقي ، بكل تنوعه ، من خلال دورة الحياة التي ، من الطفولة إلى الموت ، تعطي الرجل والمرأة مهاما وأدوارا محددة ومدونة ، بدءا من الولادة ، مرورا بالحياة الاجتماعية وانتهاء بالموت التي هي نهاية أي حياة .
إن الجمال والأصالة أو السحر الذي ينطلق من الأعمال الفنية الإفريقية مدين إلى الوظيفة الاجتماعية، إلى الدور الديني والسحري الذي تلعبه "وكلما كان العمل له وظيفة مهمة، كلما كانت خواصه الجمالية واضحة ". سوف يسمح معرض "الفنون القديمة " المبرمج في إطار المهرجان الإفريقي الثاني ، للجمهور الجزائري باكتشاف والإعجاب بالأعمال الكبرى بأشكال أكثر إبداعية . معرض يقدم نفسه ، بمعنى ، توضيح الدور المتفوق لهذه الأشياء (ثقافات ، عادات ، سحر ، مقدس ، وما تعلق بالأجناس..) في إطار عملية نقل العلوم في نفس الوقت ما تعلق منها بالسوسيولوجيا، السلالات ، التاريخ ، والانفعالات .
لقد اعتمدت عملية نقل العلوم من شعب أو مجموعة إلى أخرى في الحضارات الإفريقية القديمة التي لم تعرف الكتابة، من جهة على تقاليد المشافهة، وكذا الدور الذي لعبته الأشياء الثقافية والمستعملة من جهة ثانية. من هذا المنطلق ، فإن الأعمال الكبرى الإفريقية للتراث الشفهي واللامادي للإنسانية سوف يستهدف تثمين التقاليد الإفريقية .
إن العديد من الدول قد صادقت على الاتفاقية الخاصة بالمحافظة على التراث الشفاهي واللامادي للإنسانية في أكتوبر 2003 الصادرة عن الاجتماع العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية ، الثقافة والعلوم اليونسكو . لا يتحدد التراث الثقافي على مظاهره الملموسة ، مثل المعالم والأشياء التي تم الحفاظ عليها عبر الزمن ، بل يشمل أيضا التعابير الحية ، التقاليد الموروثة عن الأجداد للعديد من الجماعات والتي ينقلونها ، غالبا بطريقة شفاهية لذريتهم .هذا التراث الحي ، المعروف باللامادي ، يعطي لكل واحد ممن هم مؤتمنين عليه شعورا بالهوية والاتصال يستلهمونه ويجددونه باستمرار .
من كلمة تراث ثقافي لامادي ، يجب أن نسمع التقاليد والتعابير الشفاهية، فنون العرض ، العادات الاجتماعية والدينية ، المعارف والسلوكيات المتعلقة بالطبيعة والكون ، المهارات المرتبطة بالحرف التقليدية .
إن مفهوم التراث الشفاهي واللامادي يستعيد حقائق مجردة مثل الإيماءة ، الكلمة أو الذاكرة التاريخية ويسترجع أيضا :
1/ أشكال التعبير الشعبية أو التقليدية
2/ الفضاءات الثقافية ، التي تعرف بأنها "الأماكن التي تتركز فيها أنشطة شعبية وتقليدية "
إن هذا المعرض المدعم بوثائق ودعائم بصرية تضع في الواجهة الأعمال الكبرى للتراث الشفاهي واللامادي للإنسانية باستعمال الفيديو .وهو المفهوم الذي سيسمح باستعادة مفهوم الأعمال الكبرى بطريقة تفاعلية مع الزائر ، وهو مدخل لمعرفة التراث اللامادي الذي يتكون من : أصوات ، لغات وموسيقى ، فيما يتعلق بالأمواج ، والاستعمالات ، حركات الجسد ، رقص ، برهنة علمية أو تقنية فيما يخص الإيماءات ، طقوس ، شعائر دينية مقدسة أو سرية .
لذلك يتمظهر التراث الثقافي اللامادي بالخصوص في المجالات التالية :
- التقاليد و التعابير الشفاهية ، منها اللغة كعامل رئيسي في التراث الثقافي اللامادي ، ولدينا كمثال على ذلك ملحمة السيرة الهلالية بمصر
- فنون العرض ، وتمثلها موسيقى الإهليل بمنطقة قورارة بالجنوب الجزائري (2005) و أهازيج أقزام أكا بجمهورية إفريقيا الوسطى( 2003 ) .
- العادات الاجتماعية ، الشعائرية والمناسبات الاحتفالية مثل جول وامكولو (2005 – الملاوي ، الموزمبيق وزامبيا)
- المعارف والأعراف المتعلقة بالطبيعة والكون مثل الفضاء الثقافي ليرال والديغال (2005- مالي)
- المهارات المرتبطة بالحرف التقليدية ، مثل مهارة العمل على الخشب لزافيمانيري (2003- مدغشقر )
إن الثقافة اللامادية التي يقترحها هذا المعرض المعد بطريقة تتابع أكواخ مشكلة لفضاءات تعيد ترميم مفهوم الأعمال الكبرى والأشياء التي تمثلها . والتكنولوجيات الجديدة المتعددة الوسائط تستعمل في إطار إعادة تقديم الأعمال الكبرى في فضاءات عرض لإعادة تشكيل هذه الأعمال الإفريقية ضمن ديناميكية محاكاة تعتمد على أفلام منتقاة لهذا الغرض .